من البليدة إلى أدرار لاستصلاح الأرض طباعة إرسال إلى صديق
الثلاثاء, 05 فبراير 2013
عدد القراءات: 55038
تقييم المستخدمين: / 67
سيئجيد 

خيرة .. امرأة تقود " ثورة القمح " في عمق الرمل

تثير قـصة صمود امرأة جاءت من الإدارة إلى الصحراء ومن البليدة إلى أدرار ، لدخول عـالم الإستصلاح الفلاحي بولاية أدرار إعـجاب و تقدير الأوساط الفلاحية الذين يدركون أكثر من غـيرهم صعـوبة " المغـامرة " التي فشل فيها الكثير من الرجال من أهـل المنطقة ومن غـيرها فما بالك عـندما يتعـلق الأمر بامرأة إدارية من شمال البلاد ليس لها من الزاد سوى حبها اللامحدود  لعـالم الفلاحة

مبعـوث النصر إلى أدرار م/ بن دادة


ويزداد تقدير المرء لهـذا النموذج النادر من النساء عـندما يصل إلى مزرعـتها التي تتربع عـلى مائة هكتار بالصحراء ببلدية فنوغـيل بعـد أن تقطع به السيارة الرباعـية الدفع بصعـوبة مسافة 6 كلم إثر مغـادرتها الطريق المعـبدة  في مسلك حجري أحيانا ورملي أحيانا أخرى فـيجد نفسه أمام رقعـة واسعـة من إخضرار الزرع و النخيل  وسط صحراء قاحلة عـلى امتداد البصر.
لم يكن وصولنا إلى مزرعـة هـذه السيدة سهلا . كل ما نعـرفه عـنها من معـلومات أنها امرأة مستثمرة في الفلاحة بولاية أدرار . كان عـلينا بناء عـلى هـذه المعـلومة أن نبدأ من مديرية الفلاحة بنفس الولاية لتوجيهنا الوجهة الصحيحة.
استقبلنا الأمين العـام للغـرفة الفلاحية لولاية أدرار السيد عـبد القادر حمدو في غياب رئيس الغـرفة فقـدم لنا مساعـدة . اقترح علينا الإنتقال إلى المزرعـة الأقرب وهي مزرعـة السيدة مغـني خيرة ببلدية فنوغـيل واتصل بالسيد قيدوم محمد وهـو رئيس مقاطعـة الفلاحة بدائرة فنوغـيل الواقعـة عـلى بعـد حوالي 30 كلم عـن أدرار. وجدناه في انتظارنا حوالي الساعة الحادية عـشر والنصف ، فاتصل بدوره بالسيدة خيرة فأخبرته أنها متواجدة في العـاصمة وبعد تأسفها ، كلفت ابنتها الأستاذة الجامعـية بالإنتقال إلى المزرعـة لتقديم المعـلومات التي تطلبها الصحافة .
رئيس المقاطعـة كلف المهـندس حامك الوناس بمرافـقـتـنا إلى المزرعـة واتصل بالأستاذة الجامعـية واتفـقـنا عـلى الإلتقاء بعـد ساعـتين  بعـد أن تنهي إلتزاماتها بالجامعـة. السيد الوناس سهـل لنا مهـمتنا في أدرار فـقـمنا بفضل  مساعـدته بتحقيقات حول المواقع الأثرية  و الفقارة والقصور فاستدعى دليلين ملمين بكل المعـلومات رافقونا خلال عـملنا .. لم يفارقـنا إلى أن غـادرنا الولاية الأولى  بل حتى بعـد مغـادرتنا سهل لنا مهمة الإتصال برئيس بلدية تيميمون التي كانت في طريق عـودتـنا إلى قـسنطينة . ولم يتوقف عـن الإتصال بنا إلى أن عدنا إلى قسنطينة

 

صمدت الأم .. وشريكها رفع الراية البيضاء
ذكرت أستاذة العـلوم القانونية بالجامعـة الإفريقـية أحمد دراية  بأدرار أن أمها عـندما وصلت إلى الصحراء بولاية أدرار في بداية التسعـينيات من القرن الماضي مع شريكها المتحمس للعـمل الفلاحي كانت تعـتقـد أن عـزيمتها مضاعـفة بوجود هـذا الشريك القوي لكن سرعـان ما انهار هـذا الحصن بمجرد وصوله إلى الأرض المقترحة للإستصلاح ببلدية فـنوغـيل فوجـدها صحراء قاحلة  معـزولة  عـن المنطقة العـمرانية ولا حظ أن مباشرة العـمل بها يحتاج إلى جـهد خارق وأموال طائلة ووجـد ـ في تقديره ـ أن حظوظ النجاح معـدومة فزال حماسه وقرر نزع فكرة الإستثمار في الصحراء  من ذهـنه تماما.
أما أمها المسكونة بهاجس الإستثمار الفلاحي فلم يزدها انسحاب شريكها إلا إصرارا عـلى متابعـة المغـامرة إلى النهاية ووجدت أن خوض التجربة بمفردها سيزيدها قوة واندفاعا أكثر من أي وقت مضى . ولم تترك فرصة العـمر تضيع منها وهي التي طالما حلمت بالعـمل الفلاحي من خلال الإدمان عـلى متابعـة أخبار الفلاحة في وسائل الإعـلام خاصة حصة الأرض والفلاح التي كان يقـدمها المرحوم أحمد وحيد بالتلفزة الوطنية لمدة زمنية طويلة.
السيدة  خيرة ـ وهي بالمناسبة غمرها الحماس لما عـلمت أننا نريد أن نكتب عـن تجربتها في عـالم الفلاحة. وتأسفت مجددا لغـيابها .. و مباشرة دخلت في صلب الموضوع وقالت " لا يمكن أن أصف لك يا أخي مدى المعـاناة التي كابدتها من أجل إستصلاح الأرض التي سترونها فالعـمل في بيئة صحراوية صعـب، صعـب .. يحتاج إلى صبر وتضحيات كبيرة فشل في تحملها كثير من الناس " . و المهم أنها مثلما قالت كلفت ابنتها بتقديم كل المعـلومات لنا.
البيروقراطية وراء عزوف الكثيرين
أكدت الأستاذة مغـني أن مبدأ أمها هـو الإكتفاء بالعـمل بقدراتها المالية وعـدم اللجوء إلى القروض خاصة بعـدما لاحظت تورط العـديد من المستثمرين في الإستدانة من البنوك وعـدم قدرتهم عـلى التسديد و منهم أحد المستثمرين المجاورين الذي اعـتمد عـلى بعـض أبناء إخوته في العـمل والذين غـادروه و لم يستطيعـوا تحمل مشاق الصحراء بعـد أن تورط في قروض هامة من البنك مما جعـله يصاب بمرض السكري و ينتهي أجله بحسرة عـلى ما ألم به.
لهـذا فإن السيدة خيرة  ترفض أي مجازفة خاصة و أن العـمل الفلاحي عرضة لاحتمالات كثيرة مثل الأمراض التي  تتهدده بالضياع. وهـكذا واصلت الإعـتماد عـلى قدراتها فقط فكلما سنحت لها فرصة تقوم بشراء معـدات جديدة و توسع رقعـة الإستثمار. وهي اليوم تقوم بزراعـة 40 هكتارا بالقمح و 30 هكتارا غـرست بأشجار صغيرة من النخيل والمساحة المتبقية تنوي تخصيصها لبيوت فلاحية متعـددة القبب وهي آخر جيل من الفلاحة المحمية . وتملك من التجهيزات بئرا تكفيها لسقي المساحات المزروعـة باستعـمال نظام السقي بالتقـطير بالنسبة للنخيل و الرش المحوري للقمح بآلة واحدة كبيرة ترش كل المساحة وهي من النوع الجيد المستورد. إضافة إلى جرار وآلات الحرث وصهريج .. لكن ما ينقصها فعـلا هي آلة الحصاد نظرا لأنها  غـالية الثمن وليس لها في الوقت الراهن إمكانيات اقتنائها لأن الدعـم الذي تقدمه الدولة لاقتناء آلات الحصاد ـ مثلما قالت ـ مشروط بتقديم آلة حاصدة قديمة وأخذ آلة جديدة مدعـمة مكانها. وعـلى العـموم فإن صاحبة الهوس الفلاحي لا تعـير اهتماما كبيرا لموضوع الدعـم ليس لأنها لا ترغـب في الحصول عليه كباقي الفلاحين،  وإنما بسبب البيروقراطية التي تجعـل الفلاح يهـدر وقتا ثمينا في استكمال الملفات وإحضار الوثائق وهي ترى أن الفلاح مكانه في الحقل وليس الجري من إدارة إلى أخرى. ولهـذا فهي تفضل مواصلة العـمل بالقليل من الإمكانيات الموجودة لديها مع راحة بال وهـو الأمر الذي تنشده من العـمل الفلاحي . وبالفعـل فقد استطاعـت أن تحقق مردودا عـاليا في الحبوب تراوح ما بين 45 و 50 قنطارا في الهكتار الواحد. كما عـملت خلال موسم مضى في برنامج تكثيف البذور وهـو عـمل لا تقوم به سوى النخبة من الفلاحين.
فضلت أدرار عـن فرنسا
المهنة الأصلية للسيدة خيرة هي المحاسبة في دار المالية بالبليدة أين عـملت لسنوات طويلة وبعـد حصول زوجها عـلى التقاعـد كانت الخيارات المطروحة أمام العـائلة ـ في ظروف كان يعيش فيها شمال الجزائر أزمة أمنية حادة ـ  هي الذهاب للعـيش في فرنسا أو الإستثمار في الصحراء فلم تتردد السيدة خيرة في اختيار أدرار لما تعـرفه من الأمن الذي تنعـم به فضلا عـن توفر الفرصة أمامها لتحقيق حلم طالما ظل يراودها وهـو الإستثمار في الفلاحة. لكن هـذا الإختيار كان بالنسبة للعـائلة مجازفة لأن الكثير من معـارفها نصحوها بصرف نظرها عـن هـذه الفكرة التي تشبه الجنون بالنسبة للبعـض باعـتبار أن الصحراء صعـبة حتى عـلى أهلها من الرجال فكيف يتسنى لامرأة أن تغـامر بمالها وتبيع كل ما تملك تقريبا بالبليدة من أجل رميه بالصحراء في عـمل محفوف باحتمالات الفشل خاصة مع وجود أمثلة من الذين فشلوا في مغـامرة الإستثمار الفلاحي. لكن السيدة خيرة أصرت وصمدت لأنها مثلما تقول ابنتها تحب الفلاحة بشكل غـير معـقول كما أنها تعـتبر في نفسها في جهاد خدمة للوطن لأنها مثلما تحكي لأولادها لو حضرت ثورة التحرير لكانت مجاهدة و بالتالي فهي تعـوض ما فاتها بخدمة الفلاحة . وواصلت المسيرة بمفردها لأن الأولاد لم يلتحقوا بها إلا سنة 2003 بعـدما أنهوا دراستهم الجامعـية العـليا والأم كانت مجبرة عـلى الذهاب إلى أدرار والعـودة إلى البليدة لتفقد الأولاد . ومرت العـائلة بصدمة لما توفي رب الأسرة مما انجر عـنه تضييع موسمين  لكنها استطاعـت أن تتجاوز المحنة وتقوم من جديد.
ندرة اليد العـاملة عـائق حقيقي للمستثمرين
أكدت الأستاذة مغـني أن المستثمرين يعانون كثيرا من نقص  اليد العـاملة بعـدما صار الشباب يرفض العـمل الفلاحي ولم يبق سوى الإعـتماد عـلى اليد العـاملة الأجنبية الإفريقية وهـم شباب من دولتي المالي و النيجر يعـرضون أنفسهم يوميا في أدرار على من يرغـب في تكليفهم بأعمال لمدة قصيرة. لكن المشكلة كما قالت مع هـؤلاء الشباب الأجانب لا يمكن الإعـتماد عليهم بشكل دائم لأن توظيف الأجانب يخضع لشروط قانونية تعـطي الأولوية لأبناء البلد الذين يرفضون بدورهم عـروض العـمل . وبالتالي فإن الفلاح الذي ليس له يد عـاملة من عـائلته وأبنائه أو أقاربه يجد نفسه أحيانا في وضعـيات لا يحسد عـليها. خاصة بعـدما صارت الشركات البترولية ـ كما قالت المتحدثة ـ تستقطب اليد العـاملة الشابة بأدرار بعـد اكتشاف البترول و الغـاز بها  نظرا لأرتفاع الأجور التي تقدمها و التي لا يستطيع القطـاع الفلاحي تقديمها. فمعـظم الشباب مثلما قالت تحولوا للعـمل في مصفاة السبع. وبالمقابل لا يستطيع المستثمر الفلاحي أن يأتي بيد عـاملة من شمال البلاد أو مناطق أخرى بعـيدة نظرا للأعـباء الإضافية كتوفير السكن لها و فضلا عـن ذلك حتى وإن توفر السكن لا تلبث أن تغـادر عـند ارتفاع درجة الحرارة بالتستر وراء حجة زيارة الأهل وأعـذار أخرى كثيرة مما يجعـل الإعـتماد عليها غير ممكن. في ذات السياق يعـاني المستثمرون من صعـوبة المسالك الفلاحية وهـم في حاجة ماسة إلى تعـبيد الطرقات المبرمجة منذ التسعـينات لكنها لم تعـبد حتى الآن مثل الطريق العـابر لمحيطات الإستصلاح ببلدية فنوغـيل والذي بقي منذ ذلك الوقت مفروشا بالحصى ولا يستعـمله أحد ويفضل السائقون المرور بالموازاة له في مسالك حجرية أو رملية.

م / ب

 

أضف تعليق

الاسم (الزامي)
البريد الالكتروني(الزامي)