الدكتور عامر التوني /مدير مركز الإبداع الفني بالقاهرة/ للنصر طباعة إرسال إلى صديق
الأحد, 21 ديسمبر 2014
عدد القراءات: 6827
تقييم المستخدمين: / 1
سيئجيد 

دوران الدراويش جذوره فرعونية تؤكده أسطورة أوزيروس

اعتبر الدكتور عامر التوني باحث موسيقي بالمركز القومي للمسرح و الموسيقى و الفنون الشعبية بمصر أنه من العيب إطلاق صفة جمهور على متابعي الطقوس المولوية لأن العبارة تفرض وجود فرقة موسيقية، تغني و تعزف له، بينما المولوية تغني للمولى و ليس للجمهور و هي لا تذهب إليه و إنما هو من يأتي إليها. و أوضح منشد المولوية المصرية التي يعود تاريخ نشأتها إلى 1994، بأن استخدام فرقته للدوران لم يكن تقليدا صوفيا و إنما محاولة لإبراز الخصوصية التراثية لبلده مصر، و النابعة من هويتها الثقافية المختلفة، مؤكدا بأن طقوس الدوران كانت مستخدمة منذ عهد الفراعنة.  
و أضاف الباحث بأن الفراعنة كانوا يمارسون أشكالا فطرية في التأمل، الذي يتكئ العالم كله على معتقد يعتمد أحيانا على منظومة خرافية و أحيانا أخرى على منظومة سماوية، لذا فإن الفراعنة، رغم اعتمادهم في فترات كثيرة على منظومة خرافية كأسطورة إيزيس و أوزير أو «أوزيروس» التي تختتم فصول مسرحية الصراع بما يرمز لصعود الصقر حورس إلى أعلى و انقضائه على الشر، و مع ذلك أخذتهم الفطرة ذاتها إلى الدوران حول الجسد بنفس الطريقة المستعملة من قبل المولوية الصوفية.
و يرى التوني الذي يشغل حاليا منصب مدير مركز الإبداع الفني ببيت السحيمي بالقاهرة و الذي تناول محور «فنون المولوية تحت المناقشة الأكاديمية»بأن  الدوران حول الجسد يتماثل مع حالة الحاج و هو يطوف حول الكعبة مركز الأرض، و مبرزا أهمية البعد المكاني، الذي تنتجه حسبه الكواكب بحركة سيارة نحو مركز الكون الشمس، و التي ترمز سيميائيا إلى النور و الضياء، و ليس النور في المطلق و إنما نور الله. باعتبار الشمس جزء من نور الله و هبة  من الله إلى البشر ، كما تمثل المعرفة غير المطلقة و إنما المعرفة بالله:» فالكواكب تدور حول مركز الكون في مجرة ، و خلال حركتها و تغييرها المكاني يحدث التغيير الزماني المتمثل في  الفصول الأربعة، و الليل و النهار، فالراقص أو الدرويش أو اللفيّف و غيرها من المصطلحات التي تطلق على هذه الشخصية يرمز إلى الشمس و الضياء و الكعبة و المعرفة بالله».
و بخصوص اسم المولوية ، فاعتبره شرح إيمائي، لما هي عليه حالة الشخصية الراقصة أو المعروفة عموما باسم الدرويش أو اللفيف، حيث يتحتم عليه أن يكون سامعا و ليس معزولا عن الاحتفالية، باعتباره واحد من الحضور، غير أن الفرق بينهما أن الأول في سكون أما الثاني فهو في حركة مستمرة،» لابد من التفريق بين السامع و المستمع، و المتسمع، فالراقص سامع بحال، و المستمع بقلب و المتسمع بجوارحه، و بصفته سامع يتمثل بالحالات الثلاث غير منفصلة، و لا يتأثر بجاذبة».
و بخصوص موقعهم في الساحة الفنية و الاستعراضية،  قال الدكتور عامر التوني بأنه من العيب إطلاق صفة جمهور على متابعي المولوية،لأن هذه العبارة ترتبط بوجود فرقة موسيقية، تغني و تعزف له، أما المولوية فتغني للمولى و ليس للجمهور و هي من تذهب إليه و ليس هو من يفعل ذلك. لكنه لم يمانع استعمال عبارة الفرجة على ما يقدمونه أمام عشاق الأشعار و الطقوس الصوفية، موضحا بأن المولوية تصنع الفرجة البصرية بلا حرج، مشيرا إلى أهمية ذلك عبر التاريخ مستدلا بالحضارة الإغريقية، حيث كان عمالقة المسرح الإغريق مثل سوفوكليس يقدمون في أعياد الإلاه ديونيسوس إلاه الخمر، أعمالا مسرحية لكن الجمهور كان يحضر لمتابعتها على أساس أنها طقس ديني، و كانت تمثل له فرجة روحية، و بصرية لأن بها حركة. و نفس الشيء بالنسبة للمولوية التي شبه عرضها بلوحة تشكيلية بتعابير سيميائية، يحاول مشاهدها فك شفراتها:» في حال الفرجة البصرية، يخلق المتلقي صورة ذهنية يرسمها بنفسه، كأنها معراج روحي يحاول من خلاله دخول السماء»إشارة إلى الهدف من طقس الدوران حول الجسد، الذي هو الطموح للوصول بالروح إلى أقصى حدود التأمل، و الذي تقول سائر العلوم بما فيها «البراسايكولوجي و الميتاسايكولوجي» بأن الروح تذهب أينما تفكر، لوجود التخاطب و التخاطر  و التحدث عن بعد.
و استدل بمقولة أحدهم منذ 5000سنة «تعطلت حواسي أثناء تهجد صوفي لا نصبا ولا تزمرا و إنما انتباها و خلوصا واعيا ، أطير مع أفكاري متحررا  من جسدي»، مشبها ذلك باليوغا التي تعمل على تعطيل الحواس ، في حين أن الإدراك مقصد الصوفية التي تبقي القلب مدركا رغم تعطل باقي الحواس بمجرّد انطلاق الدرويش في دورانه حول نفسه وقال أن القلب بيت الرب، مثلما جاء في الحديث النبوي» مَا وَسِعَنِي سَمَائِي وَلا أَرْضِي ، وَلَكِنِّي وَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ» . لأن الراقص بعد استسلامه للدوران يصفي قلبه.
و عن دلالة الألوان المستعملة من قبل المولوية، أوضح التوني بأن اللون الأبيض يرمز للكفن و لباس الإحرام، و الأحمر للشمس الغاربة و ألوان الطيف تشير إلى اكتمال الدائرة مثلما هي عليه في الكون.
و حول التنورة التي تعد جزء أساسيا من لباس المولوي، فأكد أنها جزء من تراثهم الثقافي و ليس الديني ، و لا علاقة للطقوس الصوفية بالتنورة، التي  تبناها المصريون من باب استعراضي لكن بعد تفريغها من مضمونها الصوفي بدلالته الفلسفية و الرمزية.
كما تحدث التوني عن محاولتهم في ترك الأثر في مجال الصوفية من خلال تدوين رصيد من الأشعار الحديثة و التيمات الموسيقية الجديدة، للأجيال القادمة، إلى جانب بعثهم المتواصل لأجمل أشعار أعلام الصوفية عبر التاريخ كسهروردي، أبي مدين الغوث و ابن عربي أبو عبد الله حسين بن منصور الحلاج، و التي قدموا مقتطفات منها خلال المهرجان الثقافي الدولي للإنشاد الذي احتضنت قسنطينة مؤخرا فعاليات طبعته الخامسة، حيث غنى للشاعر ابن الفرد”يا قلب أنت وعدتني في حبهم صبرا، فحاذر أن تضيق و تضجرا، إن الغرام هو الحياة، فمت به صباّ، فحقك أن تموت و تعذّرا.. و مقتطفات من شعر صفي الدين حلي و من قصيدته الموسومة “محياكَ ضوءُ البدرِ يعتذرُ» و التي اختار منها التوني الأبيات التالية «في محبتك العشاق قد عذروا إلى محياك ضوء البدر يعتذر، و نار حبك لا تبقى و لا تذر و جنة الحسن في خديك موثقة، الغصن هذا فأين الظل و الثمر...»، كما انتقى من أشعار ابن عربي»لا ذنب للعشاق إن غلب الهوى كتمانهم فنمى الغرام فباحوا/سمحوا بأنفسهم و ما بخلوا بها ، لما دورا أن السماح رباح/و دعاهم داعي الحقائق دعوة، فغدوا بها مستأنسين و راحوا/ركبوا على سنن الوفا و دموعهم بحر و حادي شوقهم ملاّح/.
مريم بحشاشي

 

أضف تعليق

الاسم (الزامي)
البريد الالكتروني(الزامي)